تكاد جميع أساليب التداول المعتمدة على تتبع الاتجاه في التحليل الفني الحديث تعود بجذورها إلى مجموعة من المقالات الصحفية التي كُتبت قبل عام 1902.
فـ تشارلز داو (Charles Dow)، الشريك المؤسس لشركة Dow Jones ورئيس تحرير صحيفة The Wall Street Journal، لم ينشر يومًا كتابًا بعنوان “نظرية داو”، ولم يدّعِ أصلًا أنه وضع نظرية متكاملة.
كل ما فعله هو كتابة مقالات يصف فيها كيفية تحرك الأسواق، مستندًا إلى المتوسطين اللذين ابتكرهما.
وقد توفي قبل أن تُجمع هذه الأفكار في منهج واحد.
بعد وفاته، قام ويليام بيتر هاميلتون (William Peter Hamilton) بتنظيم أفكاره في كتاب The Stock Market Barometer، ثم جاء روبرت ريا (Robert Rhea) عام 1932 ليمنحها الهيكل المعروف اليوم باسم نظرية داو (Dow Theory).
وفهم هذا الأصل التاريخي يساعد على إدراك نقطة مهمة.
فنظرية داو لم تُصمم لتكون استراتيجية دخول وخروج من الصفقات، وإنما جاءت لتصف كيف تتحرك الأسواق.
ولهذا، فإن من يبحث فيها عن إشارات مباشرة للدخول سيصاب بخيبة أمل.
أما من يستخدمها لتعريف الاتجاه، وتحديد متى يبدأ ومتى ينتهي، فسيجد فيها واحدة من أكثر النظريات رسوخًا في التحليل الفني.
المبادئ الستة لنظرية داو
المبدأ الأول: السوق يعكس كل شيء (The Market Discounts Everything)
يرى داو أن السعر يعكس بالفعل كل ما يعرفه المشاركون في السوق، أو يتوقعونه، أو يخشونه.
فالبيانات الاقتصادية، والأخبار، والتوقعات، وحتى المخاوف، تنعكس تدريجيًا في حركة السعر.
واستثنى داو فقط الأحداث غير المتوقعة تمامًا، لكنه أشار إلى أن السوق يستوعبها بسرعة أيضًا.
ولهذا يستطيع المحلل الفني الاعتماد على حركة السعر وحدها، ليس لأن الأخبار غير مهمة، وإنما لأن أثرها يظهر في الرسم البياني بمجرد أن يبدأ السوق في استيعابها.
المبدأ الثاني: للسوق ثلاثة أنواع من الاتجاهات تتحرك في الوقت نفسه
ميز داو بين ثلاثة مستويات لحركة السوق:
الاتجاه الرئيسي (Primary Trend)
يمتد من عدة أشهر إلى عدة سنوات.
وهو الاتجاه الذي يمثل الحركة الأساسية للسوق.
الاتجاه الثانوي (Secondary Reaction)
يمتد عادة من عدة أسابيع.
ويتحرك عكس الاتجاه الرئيسي، وغالبًا ما يصحح جزءًا كبيرًا من الحركة السابقة.
الحركة الثانوية أو القصيرة (Minor Movement)
تستمر من عدة أيام فقط.
وتحمل أقل قدر من المعلومات بالنسبة للمتداول متوسط وطويل الأجل.
واليوم أصبحت فكرة التحليل متعدد الأطر الزمنية (Multiple Timeframe Analysis) امتدادًا مباشرًا لهذا المبدأ.
لكن التحذير الذي قدمه داو لا يزال قائمًا حتى الآن.
فالتصحيح الثانوي يبدو أثناء حدوثه وكأنه انعكاس كامل للاتجاه، وهنا يقع معظم المتداولين في الخطأ.
المبدأ الثالث: الاتجاه الرئيسي يمر بثلاث مراحل
قسّم أتباع داو الاتجاه الرئيسي إلى ثلاث مراحل رئيسية.
أولًا: مرحلة التجميع (Accumulation)
فيها يبدأ المستثمرون الأكثر خبرة بالشراء، بينما لا يزال معظم المشاركين متشائمين.
وخلال هذه المرحلة يتحرك السعر ببطء رغم بدء دخول الأموال الذكية.
ثانيًا: مرحلة المشاركة العامة (Public Participation)
وهي أطول مراحل الاتجاه وأكثرها وضوحًا.
فيها يصبح الاتجاه مرئيًا للجميع، ويحدث الجزء الأكبر من الحركة السعرية.
ثالثًا: مرحلة التوزيع (Distribution)
عند هذه المرحلة تصبح القصة الاقتصادية مقبولة لدى الجميع.
يزداد إقبال المستثمرين الأفراد، بينما تبدأ الأموال الذكية في البيع والخروج تدريجيًا.
وقد طور ريتشارد ويكوف (Richard Wyckoff) لاحقًا نموذجًا أكثر تفصيلًا يعتمد على الفكرة نفسها.
المبدأ الرابع: يجب أن تؤكد المؤشرات بعضها بعضًا (Confirmation)
كان هذا المبدأ مرتبطًا بطبيعة الأسواق في عصر داو.
فقد كان يرى أن صعود مؤشر الشركات الصناعية لا يكفي وحده.
بل يجب أن يؤكده أيضًا مؤشر شركات السكك الحديدية.
فالسلع التي تُنتج ينبغي أيضًا أن تُنقل.
أما اليوم، فلم يعد هذا التطبيق قائمًا، لكن الفكرة الأساسية بقيت كما هي:
إذا ظهر اتجاه قوي في سوق معين، بينما لا تؤكده الأسواق المرتبطة به، فيجب التعامل معه بحذر.
المبدأ الخامس: حجم التداول يؤكد الاتجاه
كان داو يرى أن حجم التداول يجب أن:
- يزداد مع الاتجاه الرئيسي.
- وينخفض أثناء التصحيحات.
أما ارتفاع الأسعار مع انخفاض حجم التداول، فكان يعتبره علامة ضعف.
المبدأ السادس: الاتجاه يستمر حتى يثبت العكس
هذا ربما يكون أشهر مبادئ نظرية داو.
فالافتراض الأساسي هو أن الاتجاه الحالي سيستمر، حتى تظهر أدلة واضحة على انتهائه.
وفي الاتجاه الصاعد مثلًا، لا يُعتبر الاتجاه قد انتهى إلا إذا:
- فشل السعر في تسجيل قمة جديدة.
- ثم كسر القاع السابق للتصحيح.
- مع وجود تأكيد من المؤشر الآخر.
وأي حركة أقل من ذلك تُعد مجرد ضوضاء سعرية، مهما بدت قوية.
كيف تبدو نظرية داو على الرسوم البيانية اليوم؟
أهم ما بقي من نظرية داو في التحليل الفني الحديث هو تعريف الاتجاه من خلال هيكل السوق (Market Structure).
فالترند الصاعد هو ببساطة:
- قمم أعلى من القمم السابقة (Higher Highs).
- وقيعان أعلى من القيعان السابقة (Higher Lows).
ولا ينتهي هذا الاتجاه إلا عندما ينكسر هذا التسلسل.
قد يبدو هذا التعريف بديهيًا اليوم.
لكن السبب في ذلك هو أن جميع مدارس التحليل الفني الحديثة تقريبًا تبنته حتى أصبح جزءًا أساسيًا منها.
وتكمن أهميته في أنه يفرض الانضباط على المتداول.
فالمتداول الذي يعتمد على هذا التعريف لا يخرج من الصفقة لأن شمعة بدت سلبية، أو لأن السعر “ارتفع كثيرًا”.
بل ينتظر حدثًا هيكليًا واضحًا يثبت انتهاء الاتجاه.
وبذلك يقلل من القرارات العاطفية والارتجالية.
تطبيق نظرية داو على سوق العملات
هناك مبدآن من مبادئ داو يحتاجان إلى بعض التعديل عند تطبيقهما على سوق الفوركس.
أولًا: حجم التداول
لا يمتلك سوق الفوركس الفوري بورصة مركزية.
ولذلك لا يوجد رقم رسمي لحجم التداول الحقيقي.
وما تعرضه معظم المنصات هو حجم التيكات (Tick Volume)، أي عدد تحديثات السعر، وليس حجم العقود المتداولة.
ورغم أن هذا المؤشر يرتبط بدرجة معينة بنشاط السوق، فإنه لا يعادل مفهوم حجم التداول الذي قصده داو.
ومن يرغب في الحصول على بيانات أقرب إلى الواقع، يمكنه استخدام أحجام التداول في عقود العملات الآجلة (Currency Futures)، مع إدراك أنها تمثل جزءًا فقط من السوق العالمي.
ثانيًا: مبدأ التأكيد
لا يوجد في الفوركس ما يقابل مؤشري الصناعات والسكك الحديدية.
لكن المنطق نفسه ما زال صالحًا.
فإذا كان الدولار الأمريكي يكتسب قوة حقيقية، فمن المفترض أن يظهر ذلك عبر أكثر من زوج عملات.
أما إذا ارتفع مؤشر الدولار (DXY) بينما لم تتحرك معظم الأزواج المرتبطة بالدولار في الاتجاه نفسه، فقد يكون السبب الحقيقي متعلقًا بالعملة المقابلة، وليس بالدولار نفسه.
ولهذا، فإن مقارنة أكثر من زوج مرتبط بالعملة نفسها قبل اتخاذ القرار تمثل تطبيقًا حديثًا لمبدأ التأكيد الذي وضعه داو.
أما المبدأ الخاص بالحركات الثلاث، فينتقل إلى الفوركس دون أي تعديل تقريبًا.
فيمكن قراءة:
- الاتجاه الرئيسي على الرسم البياني الأسبوعي.
- والتصحيح الثانوي على الرسم اليومي.
- بينما تُعامل الأطر الزمنية من أربع ساعات فأقل على أنها حركات قصيرة.
وبالنسبة لمتداول السوينج، فإن أفضل تطبيق عملي هو التداول فقط في اتجاه الترند الرئيسي، واستخدام التصحيحات اليومية كفرص للدخول.
أين تقصر نظرية داو؟
رغم أهميتها، فإن النظرية ليست كاملة.
فهي متأخرة بطبيعتها.
إذ لا تعلن عن وجود اتجاه إلا بعد أن يكون قد بدأ بالفعل، ولا تؤكد الانعكاس إلا بعد أن يكون جزء كبير من الحركة قد حدث.
وكان أتباع داو يرون أن هذا ليس عيبًا، بل ميزة، لأن البديل هو محاولة اصطياد القمم والقيعان، وهي ممارسة يفشل فيها معظم المتداولين.
لكن بالنسبة لمتداول يحتفظ بالصفقة بضعة أيام فقط، فقد تصل إشارات داو متأخرة أكثر مما ينبغي.
كما أن النظرية لا تقدم أي إرشادات حول:
- إدارة المخاطر.
- حجم الصفقة.
- مكان وضع وقف الخسارة.
ولذلك يحتاج المتداول إلى دمجها مع أدوات أخرى.
أما نموذج المراحل الثلاث، فهو أيضًا أكثر وضوحًا بعد انتهاء الحركة منه أثناء حدوثها.
فمرحلتا التجميع والتوزيع يسهل التعرف عليهما بعد فوات الأوان، لكن يصعب تحديدهما بدقة في الوقت الحقيقي.
وأخيرًا، كُتبت نظرية داو في الأصل لتحليل مؤشرات الأسهم، وهي تختلف بطبيعتها عن تحركات زوج عملات واحد قد يتغير اتجاهه بالكامل بسبب قرار مفاجئ من أحد البنوك المركزية.
تمرين عملي
اختر الرسم البياني الأسبوعي لأحد الأزواج التي تتابعها.
ثم حدد الاتجاه الرئيسي اعتمادًا على هيكل السوق فقط، دون استخدام أي مؤشرات فنية.
بعد ذلك:
- حدد جميع التصحيحات الثانوية داخل هذا الاتجاه.
- واكتب بوضوح ما الذي كان يجب أن يحدث حتى تعتبر أن الاتجاه الرئيسي قد انتهى.
ثم انتقل عبر الرسم البياني خطوة بخطوة، ولاحظ كم مرة بدا لك أثناء حدوث التصحيح أنه يمثل نهاية الاتجاه، بينما اتضح لاحقًا أنه مجرد تصحيح مؤقت.
سيمنحك هذا التمرين قناعة عملية بأهمية وجود معيار مكتوب وواضح لانعكاس الاتجاه، وهي قناعة أقوى بكثير من مجرد قراءتها في أي كتاب.
وأخيرًا، كرر التمرين على زوج آخر يعتمد على العملة نفسها، ثم قارن نقاط الانعكاس بينهما.
فعندما تتوافق الإشارات في الزوجين، تصبح قراءتك أكثر موثوقية.
أما عندما يظهر الانعكاس في أحدهما دون الآخر، فستشاهد بنفسك التطبيق العملي لمبدأ التأكيد (Confirmation) الذي وضعه تشارلز داو منذ أكثر من قرن.
إخلاء المسؤولية: هذه المشاركة لأغراض تعليمية فقط ولا ينبغي اعتبارها نصيحة استثمارية
يُنصح بأن التداول في الأسواق المالية ينطوي على مستوى مرتفع من المخاطر وقد لا يكون مناسبًا لكل مستثمر
