تخطي إلى المحتوى الرئيسي

Golden Trader

ترى نظرية داو (Dow Theory) أن الاتجاه الرئيسي لا يتحرك بالطريقة نفسها من بدايته حتى نهايته.

بل يمر بثلاث مراحل مختلفة، ولكل مرحلة خصائصها وسلوكها.

ولهذا، فإن النموذج الفني نفسه قد يحمل معنى مختلفًا تمامًا بحسب المرحلة التي يظهر فيها.

فعلى سبيل المثال، قد يعني تصحيح بسيط يتبعه شراء قوي شيئًا مختلفًا إذا حدث بعد ثمانية أسابيع من بداية الاتجاه، مقارنة بحدوثه بعد ثمانية عشر شهرًا من استمراره.

وقد استند هذا النموذج إلى مقالات تشارلز داو، ثم قام ويليام بيتر هاميلتون بصياغته بصورة أكثر تنظيمًا، قبل أن يطوره روبرت ريا (Robert Rhea)، الذي قسم الاتجاهات الصاعدة والهابطة إلى ثلاث مراحل رئيسية.

ومن المهم توضيح نقطة أساسية منذ البداية.

فهذا النموذج لا يهدف إلى إعطاء إشارات مباشرة للدخول في الصفقات.

بل يشرح من الذي يشتري؟ ومن الذي يبيع؟ ولماذا؟

كما يساعد المتداول على تكوين توقعات واقعية حول ما يمكن أن تحققه استراتيجيته في كل مرحلة من مراحل الاتجاه، وما هي الظروف التي قد تواجه فيها صعوبة.

المرحلة الأولى: التجميع (Accumulation)

تبدأ مرحلة التجميع (Accumulation) قرب نهاية اتجاه هابط طويل، في وقت تبدو فيه الأوضاع الاقتصادية أو النفسية في أسوأ حالاتها، بينما لا يزال معظم المشاركين في السوق غير مهتمين بالشراء.

ووصف روبرت ريا هذه المرحلة بأنها الفترة التي يبدأ خلالها عدد محدود من المستثمرين المطلعين في استعادة الثقة بالمستقبل، حتى قبل ظهور أي بيانات أو مؤشرات تؤكد تحسن الأوضاع.

كيف تبدو على الرسم البياني؟

تتميز هذه المرحلة بالهدوء.

فالسعر يتوقف عن تسجيل قيعان جديدة باستمرار، لكنه أيضًا لا يبدأ اتجاهًا صاعدًا واضحًا.

وغالبًا ما يتحرك السوق داخل نطاق عرضي واسع قد يستمر عدة أشهر.

وخلال هذه الفترة:

  • لا تحظى الارتفاعات باهتمام كبير.
  • ويعتبرها معظم المشاركين مجرد ارتدادات مؤقتة داخل اتجاه هابط.
  • بينما يستمر المستثمرون المحبطون في بيع مراكزهم.
  • وفي المقابل، تقوم الأموال الذكية بشراء هذه الكميات تدريجيًا دون استعجال.

أهم إشارة هيكلية

الإشارة الوحيدة الجديرة بالمراقبة في هذه المرحلة هي:

توقف السوق عن تكوين قيعان أدنى من القيعان السابقة.

فعندما يتوقف السعر عن تسجيل قاع جديد، ثم يختبر هذا القاع مرة أخرى دون كسره، تظهر أول إشارة تعترف بها نظرية داو على احتمال انتهاء الاتجاه الهابط.

لكن يجب الانتباه إلى أن هذه ليست إشارة تأكيد.

بل مجرد دليل أولي.

وفي كثير من الأحيان قد يتبين لاحقًا أنه كان خاطئًا.

النتائج العملية

لهذه المرحلة نتيجتان مهمتان:

أولًا، تحقق استراتيجيات تتبع الاتجاه أسوأ نتائجها خلالها، لأنها تولد إشارات شراء وبيع متكررة داخل نطاق عرضي دون اتجاه واضح.

وثانيًا، يصعب جدًا التعرف على مرحلة التجميع أثناء حدوثها.

ولهذا السبب، لم يكن أتباع داو يحاولون التداول خلالها، بل كانوا ينتظرون المرحلة التالية.

المرحلة الثانية: المشاركة العامة (Public Participation)

تُعد هذه المرحلة قلب الاتجاه الرئيسي، وهي المرحلة التي صُممت معظم استراتيجيات التداول للاستفادة منها.

ففي هذه الفترة تبدأ الظروف الاقتصادية بالتحسن بصورة واضحة.

ويدخل السوق مشاركون جدد كانوا يتجاهلونه في السابق.

ويستجيب السعر بحركة اتجاهية قوية ومستدامة.

ووصف روبرت ريا هذه المرحلة بأنها الفترة التي تعكس فيها الأسعار تحسنًا حقيقيًا في الظروف الاقتصادية، وليس مجرد آمال أو توقعات.

كيف يبدو الاتجاه هنا؟

في هذه المرحلة يصبح هيكل السوق واضحًا ومنظمًا.

فتظهر:

  • قمم أعلى من القمم السابقة (Higher Highs).
  • وقيعان أعلى من القيعان السابقة (Higher Lows).

وتحدث تصحيحات ثانوية بصورة طبيعية، وقد تسترد جزءًا كبيرًا من الحركة السابقة، لكنها تنتهي دائمًا فوق القاع السابق، قبل أن يستأنف الاتجاه مساره.

كما تتوسع المشاركة في السوق تدريجيًا، وليس بصورة مفاجئة.

لماذا تعد هذه المرحلة الأهم؟

لأنها غالبًا أطول مراحل الاتجاه الرئيسي.

وهذا يمنح المتداول فرصة كافية للاستفادة منها، حتى لو لم يدخل في بداية الاتجاه.

وتقبل نظرية داو الدخول بعد بداية الحركة باعتباره الثمن الطبيعي للحصول على تأكيد أكبر.

التطبيق العملي

في هذه المرحلة يكون النهج الأنسب هو:

  • التداول في اتجاه الترند الرئيسي فقط.
  • اعتبار التصحيحات الثانوية فرصًا للدخول، وليس إشارات للخروج.
  • وعدم إعلان انتهاء الاتجاه إلا إذا تحقق معيار الانعكاس الهيكلي.

أي:

  • يفشل السعر في تسجيل قمة جديدة.
  • ثم يكسر قاع آخر تصحيح.

المرحلة الثالثة: المبالغة أو الإفراط (Excess)

في المرحلة الأخيرة يصبح الاتجاه مقبولًا لدى الجميع.

وتنتشر القناعة بأن السوق لا يمكنه إلا أن يواصل الاتجاه نفسه.

وتصبح الأخبار الإيجابية موجودة في كل مكان.

ويزداد عدد المشاركين بصورة كبيرة.

لكن جانبًا متزايدًا من عمليات الشراء لا يعود قائمًا على التحليل، بل على مجرد ملاحظة أن الأسعار ارتفعت بالفعل.

ووصف روبرت ريا هذه المرحلة بأنها الفترة التي يصبح فيها المضاربة هي الدافع الأساسي للحركة، بينما تعتمد الأسعار على التوقعات أكثر من اعتمادها على الحقائق الاقتصادية.

كيف يتغير الرسم البياني؟

تبدأ الحركة السعرية باكتساب طابع مختلف.

فتصبح الاتجاهات أكثر حدة وأقرب إلى الحركة الرأسية.

كما تصبح التصحيحات:

  • أسرع.
  • وأقوى.
  • وأكثر تأثيرًا نفسيًا.

ورغم ذلك، قد يستمر المشترون في استغلالها للشراء.

واللافت أن الحركة التي كانت تحتاج أشهرًا في بداية الاتجاه قد تتحقق الآن خلال أسابيع، وربما أيام فقط.

أهم تحذير في هذه المرحلة

هنا يظهر أحد أهم مبادئ نظرية داو، وهو مبدأ التأكيد (Confirmation).

فقد يسجل جزء من السوق قممًا جديدة، بينما تفشل الأسواق المرتبطة به في تأكيد هذه الحركة.

وكان داو يراقب ذلك من خلال مؤشري الصناعات والسكك الحديدية.

أما اليوم، فيمكن تطبيق الفكرة على الأسواق أو الأدوات المالية المرتبطة ببعضها.

ومن المهم إدراك أن هذا الاختلاف لا يعني أن الاتجاه انتهى.

فالاعتماد عليه وحده دفع كثيرًا من المتداولين إلى البيع مبكرًا، بينما استمر الاتجاه لفترة أطول بكثير.

كل ما يخبرك به هذا التعارض هو أن جودة الاتجاه بدأت تتراجع، وأن إدارة المخاطر أصبحت أكثر أهمية.

هل تنتهي المرحلة الثالثة تلقائيًا؟

الإجابة: لا.

فنظرية داو لا تغير معيارها الأساسي.

إذ يبقى الاتجاه قائمًا حتى يظهر:

  • فشل في تسجيل قمة جديدة.
  • ثم كسر لقاع آخر تصحيح.
  • مع وجود تأكيد من الأسواق المرتبطة.

لذلك، فإن مرحلة المبالغة ليست إشارة للبيع، بل إشارة إلى تشديد إدارة المخاطر ومراقبة السوق بصورة أدق.

التسلسل نفسه… ولكن في الاتجاه الهابط

يمر الاتجاه الهابط بالمراحل نفسها ولكن بصورة معكوسة.

المرحلة الأولى: التوزيع (Distribution)

يبدأ المستثمرون المحترفون بالبيع تدريجيًا، بينما لا تزال الأوضاع الاقتصادية تبدو جيدة، ولا يزال معظم المشاركين يحتفلون بالاتجاه الصاعد السابق.

المرحلة الثانية

تبدأ الظروف الاقتصادية بالتدهور بصورة واضحة.

ويتسع نطاق البيع تدريجيًا.

وهذه هي المرحلة التي يستفيد منها متداولو الاتجاه الهابط.

المرحلة الثالثة

تظهر عمليات البيع القسرية.

ويبدأ كثير من المستثمرين في التخلص من أصولهم بأي سعر، ليس لأنهم يريدون البيع، بل لأنهم مضطرون لذلك.

فتصبح الحركة أكثر سرعة وفوضوية.

ومن المثير للاهتمام أن نهاية هذه المرحلة تتداخل غالبًا مع بداية مرحلة التجميع للاتجاه الصاعد التالي.

ولهذا السبب، كثيرًا ما تتشكل القيعان التاريخية في الأسواق عندما تكون الأخبار في أسوأ حالاتها.

تطبيق النموذج على سوق العملات

كتب روبرت ريا عن مؤشرات الأسهم، وربط المراحل بالأرباح وظروف الشركات.

أما في سوق العملات، فلا توجد أرباح شركات.

ولذلك يجب تكييف النموذج بدلًا من نقله حرفيًا.

أقرب بديل في الفوركس

يُعد دورة أسعار الفائدة أقرب ما يقابل هذه المراحل.

فمرحلة التجميع تعادل الفترة التي يبدأ فيها عدد قليل من المشاركين بتوقع تغير السياسة النقدية، قبل أن تظهر البيانات التي تؤكد ذلك.

أما مرحلة المشاركة العامة، فهي الفترة التي يبدأ خلالها السوق فعليًا في تسعير هذا الاختلاف في السياسات النقدية، وهنا تظهر أقوى الاتجاهات في سوق العملات.

أما مرحلة المبالغة، فتبدأ عندما يصبح هذا الرأي متفقًا عليه بين الجميع، وتصبح مراكز السوق منحازة بالكامل إلى اتجاه واحد.

وهنا تبدأ البيانات الإيجابية في إنتاج ردود فعل سعرية أضعف من السابق.

أهم إشارة عملية لمتداول العملات

من أكثر الإشارات فائدة في هذا النموذج أن تلاحظ:

عندما تتوقف البيانات الإيجابية عن دفع السعر لمواصلة الاتجاه.

فهذه إشارة إلى أن السوق استوعب معظم الأخبار الجيدة مسبقًا، وأن أغلب المشاركين أصبحوا بالفعل في الاتجاه نفسه.

وهي الفكرة نفسها التي كان داو يستخلصها من غياب التأكيد بين المتوسطات المختلفة.

نقطة مهمة في سوق العملات

زوج العملات ليس أصلًا واحدًا.

بل هو علاقة بين عملتين.

ولذلك، فإن المرحلة التي تمر بها إحدى العملتين تمثل غالبًا المرحلة المعاكسة للعملة الأخرى.

فعلى سبيل المثال:

  • قد تكون العملة الأساسية في مرحلة التجميع.
  • بينما تكون العملة المقابلة في مرحلة التوزيع.

ولهذا، من الأفضل دائمًا تحديد العملة التي تتحدث عنها، بدلًا من وصف الزوج وكأنه أصل مستقل.

كيف تستفيد من هذا النموذج عمليًا؟

لا تحاول تحديد المرحلة الحالية ثم تتداول بناءً على اسمها.

بل استخدم النموذج لاختبار توقعاتك.

اختر اتجاهًا رئيسيًا مكتملًا على الرسم البياني الأسبوعي.

ثم حدد بداية ونهاية كل مرحلة اعتمادًا على:

  • هيكل السوق.
  • وطبيعة الحركة السعرية.

بعد ذلك، راجع أداء استراتيجيتك في كل مرحلة:

  • كم إشارة تداول ظهرت؟
  • كم منها نجح؟
  • وما حجم التراجع (Drawdown) الذي تعرضت له؟

في معظم استراتيجيات تتبع الاتجاه ستجد النتيجة نفسها تقريبًا:

  • أداء ضعيف في مرحلة التجميع.
  • أفضل أداء في مرحلة المشاركة العامة.
  • ثم تراجع تدريجي في الأداء مع زيادة التقلبات والخسائر خلال مرحلة المبالغة.

وهذا التمرين يقدم لك معلومة عملية شديدة الأهمية:

سيكشف لك المرحلة التي صُممت استراتيجيتك لتحقيق الأرباح فيها، والمرحلة التي يكون من الأفضل خلالها الانتظار وعدم التداول.


إخلاء المسؤولية: هذه المشاركة لأغراض تعليمية فقط ولا ينبغي اعتبارها نصيحة استثمارية
يُنصح بأن التداول في الأسواق المالية ينطوي على مستوى مرتفع من المخاطر وقد لا يكون مناسبًا لكل مستثمر

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *