أمضى ريتشارد ويكوف (Richard Wyckoff) حياته المهنية قريبًا من الأشخاص الذين كانت أوامرهم تحرك الأسواق.
فقد بدأ عمله في وول ستريت وهو لا يزال مراهقًا في ثمانينيات القرن التاسع عشر، ثم أسس لاحقًا شركة وساطة خاصة به، وأصدر مجلة مالية واسعة الانتشار، كما أجرى مقابلات ودراسات مع كبار المتعاملين في عصره.
ومن خلال هذه الخبرة، توصل إلى فكرة جوهرية مفادها أن السوق يمكن قراءته كما لو أنه يمثل تصرفات مشارك واحد كبير وذي معرفة واسعة يقوم ببناء مراكزه وإدارتها تدريجيًا.
وأطلق على هذا المشارك الافتراضي اسم المشغل المركب (Composite Operator).
يدخل معظم المتداولين إلى عالم ويكوف من خلال الرسوم التخطيطية الشهيرة الخاصة بـ:
- التجميع (Accumulation)
- التوزيع (Distribution)
وما تتضمنه من مراحل وأحداث مسماة.
لكن تعلم المنهج بهذه الطريقة يعد في الحقيقة ترتيبًا معكوسًا.
فالرسوم التخطيطية ليست سوى أمثلة توضيحية لما تنتجه القوانين الثلاثة في الظروف النموذجية.
أما الأسواق الحقيقية، فنادرًا ما تطابق هذه الرسومات حرفيًا.
ولهذا، فإن ما يطبقه المتداول عمليًا ليس الرسوم، بل القوانين نفسها.
ومن يفهم هذه القوانين يستطيع قراءة أي نطاق سعري، حتى وإن لم يشبه أي نموذج معروف.
القانون الأول: العرض والطلب (Supply and Demand)
ينص القانون الأول على أن:
- ترتفع الأسعار عندما يتجاوز الطلب حجم العرض.
- وتنخفض عندما يصبح العرض أكبر من الطلب.
قد تبدو هذه العبارة بديهية.
لكن مساهمة ويكوف الحقيقية لم تكن في صياغة هذا التعريف، بل في كيفية قياس هذا الاختلال، لأننا لا نستطيع رؤية أوامر الشراء والبيع بصورة مباشرة.
كيف يقيس ويكوف ميزان العرض والطلب؟
اعتمد ويكوف على ثلاثة عناصر في كل شمعة أو بار سعري:
- اتساع النطاق السعري (Range).
- حجم التداول (Volume).
- مكان الإغلاق داخل النطاق السعري.
ولا يحمل أي عنصر من هذه العناصر قيمة كبيرة إذا نظرنا إليه منفردًا.
فمثلًا:
- حجم التداول وحده يخبرك بأن النشاط كان مرتفعًا، لكنه لا يوضح من الذي سيطر.
- واتساع الحركة يخبرك بأن السعر تحرك، لكنه لا يفسر سبب ذلك.
- أما موقع الإغلاق، فيبين من أنهى الفترة وهو مسيطر، لكنه لا يخبرك بحجم الجهد المطلوب لتحقيق ذلك.
لكن عندما تُقرأ هذه العناصر معًا، فإنها تجيب عن ثلاثة أسئلة مهمة:
- كم كان حجم الجهد المبذول؟
- إلى أي مدى تحرك السعر؟
- ومن أنهى الفترة وهو المسيطر على السوق؟
السؤال الذي ينبغي أن تطرحه على كل شمعة
بدلًا من الاكتفاء بالنظر إلى لون الشمعة أو حجمها، يقترح ويكوف أن تسأل نفسك دائمًا:
من الذي فاز بهذه الشمعة؟ وكم كلّفه ذلك؟
فعلى سبيل المثال:
- شمعة هابطة واسعة النطاق تغلق قرب قاعها مع حجم تداول مرتفع تعني أن البائعين سيطروا بقوة، مع مشاركة كبيرة من السوق.
أما إذا ظهرت:
- شمعة هابطة واسعة أيضًا،
- لكن حجم التداول كان أعلى،
- بينما أغلق السعر قرب أعلى الشمعة،
فهنا لا يمكن القول إن البائعين انتصروا.
بل على العكس.
لأن المشترين امتصوا جميع أوامر البيع، وأنهوا الجلسة وهم المسيطرون، رغم أن لون الشمعة قد يوحي بعكس ذلك.
القانون الثاني: السبب والنتيجة (Cause and Effect)
يرى ويكوف أن الحركة الخارجة من نطاق عرضي تكون متناسبة مع مقدار النشاط الذي سبقها داخل هذا النطاق.
فالنطاق العرضي يمثل السبب (Cause).
أما الاتجاه الناتج بعد الاختراق فيمثل النتيجة (Effect).
ولم يكتفِ ويكوف باعتبار هذه الفكرة مجرد ملاحظة، بل حاول قياسها بصورة كمية.
كيف يتم القياس؟
استخدم ويكوف رسم النقاط والأرقام (Point & Figure Chart).
وتتم العملية من خلال:
- حساب عدد الأعمدة داخل النطاق العرضي عند المنطقة التي شهدت أكبر نشاط.
- ثم ضرب هذا العدد في حجم المربع (Box Size).
- ثم في مقدار الانعكاس (Reversal Amount).
ويُسقط الناتج بدءًا من نقطة الاختراق للحصول على تقدير تقريبي للحركة المتوقعة.
ملاحظتان مهمتان
أولًا:
تعتمد النتيجة على:
- حجم المربعات المختار.
- والمنطقة التي يبدأ منها العد.
ولذلك قد يصل محللان مختلفان إلى تقديرين مختلفين اعتمادًا على الرسم نفسه.
ثانيًا:
هذا القياس ليس توقعًا مؤكدًا.
بل هو تقدير للإمكانات المتاحة.
وقد كان طلاب ويكوف أنفسهم يستخدمونه كعامل مساعد، لا كهدف سعري ثابت.
الفكرة الأهم
حتى إذا لم تستخدم مخطط النقاط والأرقام، فإن المبدأ نفسه يبقى بالغ الأهمية.
فالنطاق العرضي الذي استمر ثلاثة أيام فقط لا يمكنه عادة أن يدعم اتجاهًا يستمر ثلاثة أشهر.
ولهذا، إذا كنت تخطط لاختراق صغير مع هدف ضخم جدًا، فإن الحسابات نفسها تشير إلى أن السوق لا يملك “سببًا” كافيًا لتحقيق هذه الحركة.
وهكذا يؤدي هذا القانون وظيفتين أساسيتين:
- وضع توقع منطقي لحجم الحركة.
- واستبعاد الصفقات التي لا تستحق المخاطرة، حتى وإن بدا الاختراق جميلًا من الناحية الفنية.
القانون الثالث: الجهد مقابل النتيجة (Effort versus Result)
يمثل حجم التداول في نظرية ويكوف الجهد (Effort).
بينما تمثل حركة السعر:
- اتساع النطاق.
- وموقع الإغلاق.
النتيجة (Result).
ويرى ويكوف أن العلاقة بين الاثنين يجب أن تكون متناسبة.
وأي خلل في هذه العلاقة يحمل معلومة مهمة.
عندما يتوافق الجهد مع النتيجة
إذا ارتفعت الأسعار مع:
- زيادة حجم التداول.
- وإغلاقات قوية قرب القمم،
فهذا يعني أن الطلب يتحرك بحرية، ولا يواجه مقاومة كبيرة.
وبالمثل، فإن انخفاض الأسعار مع:
- ارتفاع حجم التداول.
- وإغلاقات ضعيفة،
يشير إلى سيطرة واضحة للعرض.
الحالات التي تستحق الانتباه
تكمن القيمة الحقيقية لهذا القانون في الحالات التي لا يتناسب فيها الجهد مع النتيجة.
فعلى سبيل المثال:
إذا ظهرت شمعة ذات:
- حجم تداول ضخم،
- لكن نطاقها السعري ضيق،
- وأغلقت قرب منتصفها،
- بعد اتجاه هابط طويل،
فهذه غالبًا علامة على دخول طلب قوي إلى السوق.
فقد بُذل جهد هائل، بينما لم يتحرك السعر كثيرًا.
وهذا يعني أن جهة كبيرة كانت تمتص جميع أوامر البيع.
ويطلق أتباع ويكوف على هذه الحالة اسم:
حجم الإيقاف (Stopping Volume).
وفي المقابل…
إذا استمر الاتجاه الصاعد بينما ينخفض حجم التداول تدريجيًا، فهذا يعني أن الأسعار ترتفع بسبب غياب البائعين، وليس بسبب وجود مشترين أقوياء.
وغالبًا ما تنعكس مثل هذه الحركات بسرعة بمجرد ظهور عرض جديد.
إشارة مهمة قرب المقاومات
هناك حالة أخرى يوليها متداولو ويكوف اهتمامًا كبيرًا.
وهي ظهور:
- شمعة صاعدة واسعة.
- بحجم تداول مرتفع جدًا.
- لكنها تغلق في النصف السفلي من نطاقها.
في هذه الحالة:
- كان الجهد كبيرًا.
- وكانت الحركة تبدو قوية.
لكن النتيجة النهائية أظهرت أن البائعين استعادوا السيطرة قبل الإغلاق.
وهذا يمثل مثالًا واضحًا على مواجهة العرض للطلب، ويُعد من الإشارات المهمة بالقرب من مستويات المقاومة.
مشكلة حجم التداول في سوق العملات
يعتمد القانون الثالث على حجم التداول أكثر من القانونين الآخرين.
لكن سوق الفوركس الفوري لا يوفر بيانات رسمية لحجم التداول الحقيقي.
فالمنصات تعرض حجم التيكات (Tick Volume)، أي عدد تغيرات السعر، وليس حجم العقود المتداولة.
ورغم أن هذا المؤشر ليس عديم الفائدة، فإنه لا يستطيع التمييز بين:
- مئات الصفقات الصغيرة.
- وصفقة واحدة ضخمة.
وهذا تحديدًا هو الفرق الذي كان ويكوف يهتم به.
كيف تستخدم حجم التيكات؟
هناك تعديلان أساسيان:
أولًا:
قارن حجم التيكات فقط بالفترة الزمنية نفسها.
فجلسة لندن تنتج بطبيعتها عددًا أكبر من تحديثات الأسعار مقارنة بالجلسة الآسيوية.
ثانيًا:
استخدمه للمقارنة بين الجلسات الأخيرة فقط، ولا تمنحه قيمة مطلقة.
إذا احتجت إلى حجم تداول حقيقي
يمكن استخدام بيانات عقود العملات الآجلة في بورصة CME.
فهي توفر حجم تداول فعليًا، وإن كانت تمثل جزءًا فقط من السوق.
ولهذا يعتمد عليها كثير من متداولي ويكوف لتأكيد الإشارات عند المستويات المهمة.
أما اتساع النطاق السعري وموقع الإغلاق، فيبقيان صالحين تمامًا في سوق الفوركس.
وبالتالي، فإن الجزء الخاص بحركة السعر من القانون الثالث ينتقل إلى سوق العملات دون أي تعديل.
أما الجزء المتعلق بحجم التداول، فيحتاج إلى قدر أكبر من الحذر.
كيف تعمل القوانين الثلاثة معًا؟
القوانين الثلاثة ليست أدوات مستقلة.
بل يجيب كل واحد منها عن سؤال مختلف ضمن عملية تحليل واحدة.
القانون الأول (العرض والطلب) يجيب عن:
ما الذي يحدث الآن؟
ومن يسيطر على السوق في هذه اللحظة؟
القانون الثاني (السبب والنتيجة) يجيب عن:
إذا تحرك السوق، فما الحجم المنطقي للحركة؟
وبذلك يساعدك على تقييم ما إذا كانت الصفقة تستحق المخاطرة قبل الدخول فيها.
القانون الثالث (الجهد مقابل النتيجة) يجيب عن:
هل ما يبدو أنه يحدث حقيقي فعلًا؟
أي أنه يتحقق من جودة الإشارة التي كشفها القانون الأول.
ولهذا، فإن متداول ويكوف لا ينجذب إلى اختراق يبدو قويًا إذا حدث دون مشاركة حقيقية من السوق.
وعند استخدام القوانين بهذا الترتيب، تحصل على قراءة متكاملة:
- من المسيطر على السوق؟
- إلى أي مدى يمكن أن تمتد الحركة؟
- وهل الأدلة التي تراها تستحق الثقة؟
تمرين عملي قبل دراسة الرسوم التخطيطية
قبل أن تبدأ بحفظ نماذج التجميع والتوزيع، اختر:
- أداة مالية واحدة.
- وإطارًا زمنيًا واحدًا.
ثم راجع 50 شمعة متتالية.
وبالنسبة لكل شمعة، سجّل ثلاث ملاحظات:
- هل كان نطاقها السعري واسعًا أم متوسطًا أم ضيقًا مقارنة بالشموع السابقة؟
- هل كان حجم التداول مرتفعًا أم متوسطًا أم منخفضًا مقارنة بالفترة نفسها في الأيام السابقة؟
- هل أغلق السعر في الثلث العلوي، أم الأوسط، أم السفلي من نطاق الشمعة؟
بعد ذلك، ودون النظر إلى الشموع التالية، اكتب جملة واحدة تجيب عن السؤال:
من كان المسيطر على هذه الشمعة؟
ثم انتقل إلى الشموع التالية لترى ما الذي حدث بعدها.
قد يستغرق هذا التمرين ساعة أو ساعتين فقط، لكنه يعلمك من مهارات قراءة السوق أكثر مما تفعله قراءة الرسوم التخطيطية لأسبوع كامل.
فالرسوم ليست سوى أنماط متكررة لهذه القراءات.
إذا أتقنت قراءة الشموع نفسها، ستصبح الرسوم التخطيطية واضحة وسهلة الفهم.
أما إذا بدأت بحفظ الرسوم دون فهم القوانين، فستقضي وقتك في محاولة العثور على أشكال جاهزة داخل رسوم بيانية لا تنطبق عليها هذه النماذج أصلًا.
إخلاء المسؤولية: هذه المشاركة لأغراض تعليمية فقط ولا ينبغي اعتبارها نصيحة استثمارية
يُنصح بأن التداول في الأسواق المالية ينطوي على مستوى مرتفع من المخاطر وقد لا يكون مناسبًا لكل مستثمر
