تُعد ثلاثة من مبادئ نظرية داو (Dow Theory) الأكثر تأثيرًا في التطبيق العملي.
فـ مبدأ التأكيد (Confirmation) وحجم التداول (Volume) يعملان كمرشحين لتقييم قوة الإشارات، ويحددان ما إذا كانت الحركة تستحق أن تُعامل كإشارة حقيقية أم لا.
أما افتراض استمرار الاتجاه (Assumption of Continuation)، فهو يحدد الحالة الافتراضية للسوق عندما لا توجد أي إشارة جديدة.
وهذا يجعله، في الواقع، أكثر المبادئ أهمية، لأن المتداول يقضي معظم وقته في السوق وهو يواجه هذه الحالة تحديدًا.
وعند جمع هذه المبادئ الثلاثة معًا، فإنها تجيب عن سؤال واحد:
ما الذي يجب أن يفعله السوق حتى يصبح من المنطقي أن تغير رأيك؟
أولًا: مبدأ التأكيد (Mutual Confirmation)
أنشأ تشارلز داو متوسطين رئيسيين:
- متوسط الشركات الصناعية (Industrial Average).
- ومتوسط شركات السكك الحديدية (Rail Average).
وكان يراقبهما معًا.
ولم يكن السبب إحصائيًا، بل اقتصاديًا.
فالسلع التي تُنتج يجب أن تُنقل أيضًا.
لذلك، فإن أي تحسن حقيقي في النشاط الاقتصادي ينبغي أن يظهر في كلا المؤشرين معًا.
أما إذا ارتفع أحدهما دون الآخر، فهذا يشير إلى أن التحسن قد يكون محدودًا، وليس تغيرًا اقتصاديًا شاملًا.
كيف طوّر هاميلتون وريا هذا المبدأ؟
قام ويليام بيتر هاميلتون وروبرت ريا بتحويل هذه الفكرة إلى قاعدة واضحة.
فلا يُعتبر ظهور إشارة اتجاه رئيسي جديدة في أحد المؤشرين إشارة صحيحة إلا إذا أكدها المؤشر الآخر.
لكن المقصود بالتأكيد ليس مجرد الارتفاع أو إظهار القوة.
بل يجب أن:
- يخترق كل مؤشر قمته السابقة في الاتجاه الصاعد.
- أو يكسر قاعه السابق في الاتجاه الهابط.
أي أن كل مؤشر يُقاس وفق هيكله السعري الخاص، وليس مقارنة بالمؤشر الآخر.
نقطتان مهمتان
أولًا:
ليس من الضروري أن يحدث التأكيد في اليوم نفسه.
ولم يحدد روبرت ريا مدة زمنية ثابتة لذلك.
لكنه أشار إلى أن التأخير الطويل يقلل من قوة الإشارة.
ثانيًا:
كل مؤشر يجب أن يؤكد الاتجاه من خلال قممه وقيعانه الخاصة.
وذلك لأن المؤشرين قد يتحركان بسرعات مختلفة، وهو أصلًا السبب الذي يجعل مراقبتهما معًا مفيدة.
الخطأ الأكثر شيوعًا
يعتقد كثير من المتداولين أن غياب التأكيد يعني انعكاس الاتجاه.
لكن نظرية داو لا تقول ذلك إطلاقًا.
فعندما يسجل أحد المؤشرين قمة جديدة بينما يفشل الآخر في ذلك، فإن النظرية لا تعتبر هذا إشارة بيع.
بل تعتبر فقط أن إشارة الاتجاه الجديدة لم تكتمل بعد.
والقرار الصحيح هنا هو:
- الاستمرار في الصفقة الحالية إذا كانت قائمة.
- أو الانتظار خارج السوق.
وليس التداول عكس الاتجاه اعتمادًا على هذا الاختلاف وحده.
فالأسواق قد تقدم حالات كثيرة من غياب التأكيد، ثم تعود لمواصلة الاتجاه نفسه.
ولهذا، فإن المتداول الذي يبيع عند كل اختلاف بين المؤشرات غالبًا ما يقضي معظم الاتجاه الصاعد وهو يراهن ضده.
كيف نطبق مبدأ التأكيد في سوق العملات؟
لا يوجد في سوق الفوركس ما يعادل مؤشري الصناعات والسكك الحديدية.
ولذلك يجب تكييف المبدأ، وليس نقله حرفيًا.
وأفضل تطبيق عملي له هو:
إذا كنت تعتقد أن الدولار الأمريكي يزداد قوة، فمن المفترض أن يظهر ذلك أمام أكثر من عملة.
أي أن قوة الدولار ينبغي أن تنعكس على:
- اليورو.
- الين الياباني.
- الجنيه الإسترليني.
- وغيرها من العملات الرئيسية.
أما إذا اخترق مؤشر الدولار (DXY) قممًا جديدة بينما لم تؤكد معظم أزواج الدولار هذه الحركة، فمن المحتمل أن يكون سبب الحركة متعلقًا بالعملة المقابلة، وليس بالدولار نفسه.
وعندما تكسر عدة أزواج مرتبطة بالدولار قممها أو قيعانها السابقة في الاتجاه نفسه، فهذا يمثل أقرب تطبيق حديث لمبدأ التأكيد في سوق العملات.
يمكن أيضًا استخدام الأسواق المرتبطة
قد يأتي تأكيد الاتجاه من سوق مختلف.
فعلى سبيل المثال:
إذا كان سبب ارتفاع عملة معينة هو تغير توقعات أسعار الفائدة، فمن الطبيعي أن يظهر هذا التغير أيضًا في سوق السندات أو أسعار الفائدة.
أما إذا تحركت العملة بينما بقيت فروق أسعار الفائدة دون تغير، فقد يكون هناك سبب آخر للحركة.
ومعرفة ذلك تساعد على تقييم مدى استدامة الاتجاه.
القاعدة العملية
قبل ظهور الإشارة، حدد مسبقًا:
- ما السوق أو الأداة التي ستستخدمها للتأكيد؟
- وما المستوى الذي يجب أن يتم اختراقه أو كسره؟
ولا تنتظر حتى تدخل الصفقة ثم تبدأ في البحث عن رسم بياني يؤيد قرارك.
لأنك ستجد دائمًا سوقًا يتحرك بالطريقة التي ترغب في رؤيتها.
ثانيًا: دور حجم التداول (Volume)
تمنح نظرية داو حجم التداول وظيفة محددة جدًا.
وهي التأكيد فقط.
أما إصدار الإشارات، فليس من مهامه.
وقد أوضح روبرت ريا ذلك صراحة عندما قال إن:
حجم التداول تابع لحركة السعر، وليس العكس.
ولا يمكن لأي قراءة لحجم التداول أن تلغي ما يخبرك به السعر.
كيف ينبغي أن يتصرف حجم التداول؟
في الاتجاه الصاعد الرئيسي، من المتوقع أن:
- يزداد حجم التداول مع استمرار الصعود.
- وينخفض أثناء التصحيحات.
فإذا انخفض السعر داخل اتجاه صاعد مع تراجع حجم التداول، فهذا يتوافق مع فكرة أن الحركة مجرد تصحيح طبيعي.
أما إذا استمرت الأسعار في الصعود بينما ينخفض حجم التداول تدريجيًا، فإن ذلك يشير إلى أن الاتجاه أصبح أقل جودة، وأن عدد المشاركين الداعمين له بدأ يتراجع.
لكن لا تُعد أي من هاتين الحالتين إشارة مباشرة للبيع أو الشراء.
بل هما عاملان يساعدان على تقييم قوة الاتجاه فقط.
لماذا يصعب تطبيق هذا المبدأ في سوق العملات؟
لا يمتلك سوق الفوركس الفوري بورصة مركزية.
ولذلك لا توجد بيانات رسمية لحجم التداول الحقيقي.
وما تعرضه منصات التداول هو حجم التيكات (Tick Volume).
أي عدد تغيرات السعر خلال فترة زمنية معينة.
ورغم أن هذا الرقم يرتفع عادة مع زيادة النشاط، فإنه لا يقيس الحجم الحقيقي للعقود المتداولة.
ولهذا، لا يمكن الاعتماد عليه بالطريقة نفسها التي اعتمد بها داو على حجم التداول في سوق الأسهم.
كيف تستخدم حجم التيكات بصورة صحيحة؟
هناك قاعدتان أساسيتان:
أولًا
قارن حجم التيكات فقط بالفترة الزمنية نفسها.
فجلسة لندن تنتج بطبيعتها عددًا أكبر من تحديثات الأسعار مقارنة بالجلسة الآسيوية، بغض النظر عن الاتجاه.
ثانيًا
استخدمه للمقارنة النسبية بين الجلسات الأخيرة فقط.
ولا تتعامل معه على أنه رقم يمتلك معنى مستقلًا.
إذا احتجت إلى حجم تداول حقيقي
يمكن استخدام بيانات عقود العملات الآجلة (Currency Futures).
فهذه العقود تُتداول في بورصات مركزية، وتوفر بيانات فعلية لحجم التداول.
ورغم أنها لا تمثل السوق بالكامل، فإنها تستند إلى معاملات حقيقية، وليست مجرد تقديرات.
بديل عملي في الفوركس
نظرًا لأن بيانات الحجم أضعف في سوق العملات، فإن أهمية المبدأين الآخرين تصبح أكبر.
ولهذا، يعتمد متداول العملات بدرجة أكبر على:
- التأكيد بين الأسواق المختلفة.
- وهيكل حركة السعر.
أكثر من اعتماده على حجم التداول.
كما يمكن استخدام اتساع النطاق السعري (Trading Range) كبديل عملي.
فعندما تتسع الحركة اليومية مع الاتجاه الرئيسي، ثم تضيق أثناء التصحيحات، فإن ذلك يقدم تقريبًا المعلومات نفسها التي كان داو يستخلصها من حجم التداول.
ثالثًا: الاتجاه يستمر حتى تظهر إشارة انعكاس واضحة
يُعد هذا المبدأ الأكثر تأثيرًا في نتائج المتداولين.
وفي الوقت نفسه، هو أول مبدأ يتخلى عنه كثير منهم.
ترى نظرية داو أن الاتجاه الحالي هو الحالة الطبيعية للسوق.
ولا يُفترض انتهاؤه إلا إذا ظهرت أدلة واضحة على ذلك.
وبالتالي، فإن عبء الإثبات يقع على الانعكاس، وليس على استمرار الاتجاه.
ولا يعتمد القرار على:
- شعور المتداول.
- أو مدى ارتفاع السعر.
- أو عدد النقاط التي قطعها الاتجاه.
متى ينتهي الاتجاه الصاعد؟
يشترط داو حدوث حدثين متتاليين:
- يفشل السعر في تسجيل قمة جديدة بعد أحد التصحيحات.
- ثم يكسر قاع ذلك التصحيح.
وفي النسخة الكلاسيكية من النظرية، يجب أيضًا أن يؤكد المؤشر الآخر هذه الحركة.
أما مجرد الفشل في تسجيل قمة جديدة، فلا يكفي.
وكذلك مجرد كسر قاع بعد تسجيل قمة جديدة مباشرة لا يُعد دليلًا كافيًا.
أما الاتجاه الهابط، فينتهي بالطريقة المعاكسة:
- يفشل السعر في تسجيل قاع جديد.
- ثم يخترق قمة آخر تصحيح.
- مع وجود تأكيد من السوق المرتبط.
ما الذي يمنعك هذا المبدأ من فعله؟
تكمن قيمة هذا المبدأ في الأشياء التي يمنعك من القيام بها.
فهو يمنعك من الخروج من الصفقة لأن:
- أحد المؤشرات أصبح في منطقة تشبع شرائي.
- أو لأن الحركة تبدو كبيرة.
- أو بسبب شمعة واحدة قوية عكس الاتجاه.
- أو لأن خبرًا أثار قلق السوق.
فأي من هذه الأسباب لا يمثل دليلًا على انتهاء الاتجاه وفق نظرية داو.
ولهذا، فإن النظرية لا تدّعي أنها ستخرجك من الصفقة عند القمة أو القاع.
بل تساعدك على البقاء داخل الاتجاه حتى يظهر كسر حقيقي في هيكل السوق.
مفهوم “الخط” (The Line)
أضاف روبرت ريا نمطًا مهمًا سماه الخط (The Line).
ويقصد به الفترة التي يتحرك فيها السوق داخل نطاق ضيق لعدة أسابيع.
ويُنظر إلى هذه المرحلة باعتبارها:
- مرحلة تجميع.
- أو مرحلة توزيع.
وعندما يخرج السعر بقوة من هذا النطاق، يُعد ذلك إشارة في اتجاه الاختراق.
وهذه تُعد الحالة الوحيدة تقريبًا التي تعتمد فيها نظرية داو على شيء غير تسلسل القمم والقيعان.
كيف تحول هذه المبادئ إلى قواعد مكتوبة؟
قبل أن تحتفظ بأي صفقة مبنية على اتجاه رئيسي، اكتب أربعة عناصر بوضوح:
- المستوى الذي يبدأ عنده التشكيك في الاتجاه الحالي، أي المستوى الذي يمثل أول إشارة محتملة للانعكاس.
- المستوى الذي تعتبر عنده الاتجاه قد انتهى بالفعل، وهو قمة أو قاع آخر تصحيح رئيسي.
- الأداة أو السوق الذي سيقدم التأكيد، والمستوى الذي يجب أن يختـرقه أو يكسره.
- خطتك للفترة الواقعة بين الحدث الأول والحدث الثاني، لأنها المرحلة التي يكثر فيها التردد وتتخذ فيها معظم القرارات العاطفية.
إذا لم تستطع ملء هذه العناصر الأربعة قبل الدخول إلى السوق، فأنت لا تمتلك رؤية واضحة للاتجاه.
بل تمتلك فقط اتجاهًا تفضله.
وهناك فرق كبير بين الاثنين.
فالتحليل الحقيقي يمكنه الصمود أمام التصحيحات الثانوية.
أما التفضيل الشخصي، فعادةً ما ينهار مع أول تصحيح يستمر أكثر من بضعة أيام.
إخلاء المسؤولية: هذه المشاركة لأغراض تعليمية فقط ولا ينبغي اعتبارها نصيحة استثمارية
يُنصح بأن التداول في الأسواق المالية ينطوي على مستوى مرتفع من المخاطر وقد لا يكون مناسبًا لكل مستثمر
