تُعد السيولة (Liquidity) الفكرة المحورية التي يقوم عليها منهج ICT بالكامل.
فإذا كانت بنية السوق (Market Structure) تخبرك بالاتجاه الذي تحرك فيه السوق، فإن Liquidity تحاول الإجابة عن السؤال الأهم:
إلى أين يُرجّح أن يتجه السعر بعد ذلك؟
ويقوم منهج ICT على فرضية أساسية مفادها أن السعر لا يتحرك بصورة عشوائية، بل ينتقل من تجمع أوامر معلقة (Liquidity Pool) إلى تجمع آخر.
ولفهم هذا المفهوم بصورة صحيحة، يجب الفصل بين ما يمكن إثباته فعليًا في السوق، وبين الرواية التي تُروى غالبًا حوله، والتي لا يمكن التحقق منها من خلال الرسوم البيانية المتاحة لمتداولي التجزئة.
ماذا تعني السيولة في منهج ICT؟
في المفهوم التقليدي للأسواق المالية، تشير السيولة (Liquidity) إلى مدى سهولة شراء أو بيع أصل مالي دون أن يؤدي ذلك إلى تحريك السعر بصورة كبيرة.
أما في منهج ICT، فإن المصطلح يُستخدم بمعنى أكثر تحديدًا.
فهو يشير إلى أماكن تجمع الأوامر المعلقة (Resting Orders) عند مستويات سعرية واضحة.
وتنقسم هذه التجمعات إلى نوعين رئيسيين.
سيولة الشراء (Buy-Side Liquidity)
وتوجد فوق السعر الحالي.
وتتكون من:
- أوامر وقف الخسارة الخاصة بالمتداولين الذين يبيعون (Sell Stops).
- وأوامر الشراء المعلقة للمتداولين الذين ينتظرون اختراق القمم (Buy Stop Orders).
سيولة البيع (Sell-Side Liquidity)
وتوجد أسفل السعر الحالي.
وتتكون من:
- أوامر وقف الخسارة الخاصة بصفقات الشراء (Sell Stops).
- وأوامر البيع المعلقة للمتداولين الذين ينتظرون كسر القيعان.
الميزة الأساسية لهذه الأوامر أنها أوامر معلقة (Resting Orders).
أي أنها تُنفذ تلقائيًا بمجرد وصول السعر إليها.
وعندما يدخل السعر منطقة تحتوي على عدد كبير من هذه الأوامر، يتم تنفيذها في الوقت نفسه تقريبًا، وهو ما يؤدي غالبًا إلى تسارع الحركة مؤقتًا في اتجاه الاختراق، قبل أن يحدث الانعكاس في كثير من الحالات.
لماذا تتجمع الأوامر عند هذه المستويات؟
هذا الجزء لا يحتاج إلى أي افتراضات أو نظريات، بل يعتمد على الطريقة الطبيعية التي يدير بها المتداولون صفقاتهم.
على سبيل المثال…
متداول اشترى بعد تصحيح سعري.
أين سيضع وقف الخسارة؟
غالبًا أسفل آخر Swing Low.
ثم يأتي متداول آخر ويضع وقفه في المكان نفسه.
ثم ثالث ورابع…
ليس لأنهم يتفقون معًا، وإنما لأن الجميع يستخدم المنطق الفني نفسه أمام الرسم البياني نفسه.
وبذلك تتراكم أوامر Sell Stops أسفل ذلك القاع.
وفي الوقت نفسه، يوجد متداولون آخرون ينتظرون كسر القاع للدخول بيعًا، فيضعون أوامر Sell Stop Entry في المنطقة نفسها.
أي أن مجموعتين مختلفتين تمامًا، لهما أهداف مختلفة، تضعان أوامرهما عند المستوى نفسه.
وينطبق الأمر نفسه على القمم بصورة معاكسة.
ولهذا فإن تجمع السيولة ليس نتيجة مؤامرة أو تنسيق بين المتداولين، بل هو نتيجة طبيعية لأن معظم المشاركين يتخذون قرارات متشابهة أمام المستويات الواضحة.
أين نحدد مستويات السيولة؟
هناك مجموعة من المستويات الموضوعية التي تُعد أماكن طبيعية لتجمع السيولة.
أولًا: القمم والقيعان الهيكلية (Swing Highs & Swing Lows)
وهي الأساس.
فكل Swing Point مهم توجد خلفه أوامر معلقة.
ثانيًا: القمم والقيعان المتساوية (Equal Highs & Equal Lows)
عندما يصل السعر إلى القمة نفسها مرتين أو أكثر تقريبًا.
تُعد هذه المستويات من أقوى مناطق السيولة في منهج ICT.
لأن المستوى الذي صمد أكثر من مرة يجذب عددًا أكبر من أوامر الاختراق ووقف الخسارة.
وينطبق الأمر نفسه على Equal Lows.
ثالثًا: قمم وقيعان الجلسات
مثل:
- أعلى وأدنى الجلسة الآسيوية.
- أعلى وأدنى اليوم السابق.
وهي مستويات يراقبها عدد كبير من المتداولين.
رابعًا: أعلى وأدنى الأسبوع أو الشهر السابق
وهي مستويات زمنية مرجعية يعتمد عليها العديد من المشاركين في السوق.
خامسًا: خطوط الاتجاه الواضحة
كلما احترم السعر خط اتجاه عدة مرات، تراكمت أوامر وقف الخسارة خلفه.
ولهذا السبب غالبًا ما يتم اختراق خطوط الاتجاه الواضحة.
سادسًا: الأرقام النفسية (Round Numbers)
مثل:
1900
1950
2000
فهذه المستويات تجذب الأوامر حتى من المتداولين الذين لا يستخدمون التحليل الفني.
القاعدة العملية بسيطة:
كلما كان المستوى واضحًا لعدد أكبر من المتداولين، زادت احتمالية تجمع السيولة خلفه.
أما المستوى الذي لا يراه سوى شخص واحد، فمن غير المرجح أن توجد خلفه سيولة مؤثرة.
ماذا يقول منهج ICT… وماذا يمكن إثباته؟
هناك جزء يمكن إثباته بسهولة.
وهو أن:
- الأوامر تتجمع خلف المستويات الواضحة.
- وعندما يصل السعر إليها يتم تنفيذها.
- وهذا التنفيذ نفسه يساعد على تحريك السعر.
أما الرواية التي تُطرح كثيرًا، فهي أن المؤسسات الكبرى تدفع السعر عمدًا نحو هذه المناطق حتى تتمكن من تنفيذ أوامرها.
وهذه الفرضية لا يمكن إثباتها من خلال الرسم البياني وحده.
ما يمكن ملاحظته فعليًا هو أن السعر كثيرًا ما يتجاوز المستويات الواضحة ثم ينعكس.
أما ما إذا كان ذلك نتيجة تلاعب متعمد، أو نتيجة طبيعية لتنفيذ الأوامر المعلقة ثم انتهاء الزخم، فلا يمكن الجزم به اعتمادًا على بيانات متداول التجزئة.
وهذه نقطة مهمة من الناحية العملية.
فالمتداول الذي يعتقد أنه يرى “تلاعبًا مؤسسيًا” قد يمنح صفقاته ثقة أكبر مما تستحق.
أما الاكتفاء بالتفسير الميكانيكي لحركة الأوامر، فيقود غالبًا إلى إدارة مخاطر أكثر واقعية.
كيف نستفيد من مفهوم السيولة؟
إذا كانت الأسعار تميل إلى التحرك نحو أماكن تجمع الأوامر…
فإن المستويات الواضحة تصبح أهدافًا (Targets) أكثر من كونها حواجز (Barriers).
وهذا يعكس الطريقة التقليدية التي ينظر بها كثير من المتداولين إلى السوق.
فعلى سبيل المثال…
يرى متداول تقليدي وجود Equal Highs فيعتبرها مقاومة مناسبة للبيع.
بينما ينظر إليها متداول ICT باعتبارها هدفًا مرجحًا أن يصل إليه السعر قبل اتخاذ أي قرار آخر.
وينتج عن ذلك فائدتان مهمتان.
تحسين أماكن جني الأرباح
من الأفضل غالبًا وضع Take Profit قبل منطقة السيولة مباشرة.
لأن السعر يميل للوصول إليها.
أما وضع الهدف بعدها فيتطلب من السعر تجاوز منطقة قد يحدث عندها انعكاس.
تحسين أماكن وقف الخسارة
وقف الخسارة الموضوع مباشرة خلف قمة أو قاع واضح يوجد في أكثر مكان مزدحم بالأوامر على الرسم البياني.
أما وضعه أبعد قليلًا، بعد انتهاء منطقة تجمع السيولة، فيقلل احتمال خروجه بسبب الحركة الطبيعية للسوق، حتى وإن اضطررت إلى تقليل حجم الصفقة.
وهذه من أكثر الأفكار العملية فائدة في هذا الدرس، ويمكن تطبيقها حتى دون استخدام بقية مفاهيم ICT.
السيولة الداخلية والسيولة الخارجية
يميز منهج ICT بين نوعين من السيولة.
السيولة الخارجية (External Liquidity)
وهي الموجودة خارج حدود النطاق السعري الحالي.
أي فوق أعلى قمة للنطاق أو أسفل أدنى قاع له.
السيولة الداخلية (Internal Liquidity)
وهي الموجودة داخل النطاق نفسه.
مثل:
- القمم والقيعان الصغيرة.
- ومستويات الحركة الداخلية.
- ومناطق عدم الكفاءة السعرية التي تكونت أثناء تطور النطاق.
ويتوقع منهج ICT غالبًا أن يتحرك السعر أولًا نحو السيولة الداخلية، ثم يستهدف السيولة الخارجية، قبل أن ينعكس ويكرر الدورة.
لكن ينبغي النظر إلى هذا باعتباره وصفًا شائعًا لسلوك السوق، وليس قاعدة ثابتة.
ما الذي لا يغطيه هذا الدرس؟
تحديد أماكن السيولة لا يعني بالضرورة معرفة كيفية التداول عليها.
فالحدث الذي يصل فيه السعر إلى منطقة السيولة، ويُفعّل الأوامر ثم ينعكس، يُعرف باسم:
Liquidity Sweep
وسيتم تناوله بالتفصيل في درس مستقل.
وهناك سنناقش الفرق الجوهري بين:
- Liquidity Sweep
- و Breakout الحقيقي
وهو الفرق الذي يمثل معظم الصعوبة العملية في تطبيق هذا المفهوم.
أما هدف هذا الدرس فهو أبسط من ذلك:
أن تتعلم تحديد أماكن السيولة بصورة صحيحة.
وأن تتوقف عن وضع أوامر وقف الخسارة في أكثر الأماكن وضوحًا على الرسم البياني.
أكثر الأخطاء شيوعًا
تحديد عدد كبير جدًا من مستويات السيولة
صحيح أن كل قمة أو قاع صغير يحتوي على بعض الأوامر.
لكن إذا امتلأ الرسم البياني بخمسة عشر مستوى مختلفًا، فلن يصبح أي منها ذا قيمة.
ركز فقط على:
- القمم والقيعان المتساوية.
- Swing Points الرئيسية.
- قمم وقيعان الجلسات.
- أعلى وأدنى اليوم أو الأسبوع.
الاعتقاد بأن كل مستوى سيولة سيتم الوصول إليه
ليس بالضرورة.
فبعض مستويات السيولة تبقى دون لمس لعدة أشهر.
السيولة تشير إلى احتمال تحرك السعر نحوها، وليس إلى حتمية حدوث ذلك.
اعتبار كل وصول إلى السيولة عملية سحب سيولة (Liquidity Sweep)
إذا وصل السعر إلى مستوى السيولة واستمر في الاتجاه نفسه دون انعكاس، فقد يكون ذلك اختراقًا حقيقيًا (Breakout) وليس Sweep.
والتمييز بين الحالتين لا يكون واضحًا إلا بعد متابعة تطور الحركة.
التداول عكس الاتجاه الرئيسي اعتمادًا على السيولة فقط
وجود تجمع سيولة فوق السعر أثناء اتجاه هابط قوي لا يعني أن السوق سيصعد إليه بالضرورة.
ولهذا يجب دائمًا وضع قراءة السيولة داخل سياق الاتجاه على الإطار الزمني الأكبر.
تمرين عملي
اختر أصلًا ماليًا واحدًا، وافتح الرسم البياني للأربع ساعات.
ثم حدد فقط:
- أعلى وأدنى اليوم السابق.
- أعلى وأدنى الأسبوع السابق.
- وأي Equal Highs أو Equal Lows ظهرت خلال الشهر الأخير.
يجب أن تحصل على عدد محدود من المستويات.
راقب هذه المستويات لمدة أسبوعين، وسجل:
- أيها وصل إليه السعر؟
- وأيها تسبب في انعكاس بمجرد اللمسة الأولى؟
- وأيها تم اختراقه واستمر السعر بعده؟
الرقم الأهم الذي ستخرج به هو نسبة مستويات السيولة التي انعكس منها السعر عند أول زيارة.
وهذا الرقم يختلف من أصل مالي إلى آخر، لكنه يمنحك تصورًا عمليًا عن مدى الاعتماد الذي يمكنك منحه لمناطق السيولة عند بناء صفقاتك، بدلًا من الاعتماد على افتراضات عامة غير مختبرة.
إخلاء المسؤولية: هذه المشاركة لأغراض تعليمية فقط ولا ينبغي اعتبارها نصيحة استثمارية
يُنصح بأن التداول في الأسواق المالية ينطوي على مستوى مرتفع من المخاطر وقد لا يكون مناسبًا لكل مستثمر
